أثر مشروع الإسكان الكبير على العدالة الاجتماعية في تركيا

تركيا تدعلن عن اكبر مشروع اسكان اجتماعي في تاريخها

تركيا تدعلن عن اكبر مشروع اسكان اجتماعي في تاريخها

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

إسطنبول-اقتصاد تركيا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا عن أكبر مشروع إسكان اجتماعي في تاريخ جمهورية تركيا. وأعلن في نطاق هذا المشروع عن حملة جديدة سيتم فيها بناء 500 ألف منزل في غضون بضعة أشهر فقط، والتي يمكن فقط لذوي الدخل المحدود الاستفادة منها، وقد تم إعداد الحملة على أقساط حتى يتمكن من يقل دخلهم عن 14 ألف ليرة من المشاركة، ومن الدفع بسهولة أيضا.

كانت هذه إجابة ذات مغزى قدمها أردوغان على إثر ارتفاع أسعار المساكن والإيجارات مؤخرا؛ فقد كانت هناك انتقادات خطيرة مفادها أن حزب العدالة والتنمية فقد الاتصال بذوي الدخل المنخفض، الذين فقدوا الكثير من قدرتهم على الصمود في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة مؤخرا. ومع ذلك، كان هذا الحل إجابة من شأنها أن تساهم بشكل إيجابي في الاقتصاد والسلام الاجتماعي والعدالة الاجتماعية كما لم يتخيلها أحد.

بصراحة؛ ربما يكون السكن من أهم المجالات للمساهمة في العدالة الاجتماعية إلى جانب التنمية، كما أنه كان أيضا أحد أفضل المجالات التي رآها حزب العدالة والتنمية، الذي وصل إلى السلطة في عام 2002 بآمال كبيرة، والتي أعطت أفضل استجابة، فتركيا دولة بها عدد كبير من الشباب ويزداد الطلب على السكن كل عام بما يتناسب مع عدد السكان. ومع ذلك؛ لا يمكن أن يكون المعروض من الوحدات السكنية متناسبا مع عدد السكان. وعلى الرغم من ذلك؛ أحدث حزب العدالة والتنمية فرقا كبيرا، بالمقارنة مع الحكومات السابقة، في وقت قصير، من خلال سياساته التي تجعل بناء المساكن وتوفيرها أمرا ممكنا ليس فقط لأولئك الذين يستطيعون تحمل التكاليف، ولكن أيضا للفئات ذات الدخل المنخفض التي لا يستطيعون ذلك.

ولعل من أهم الأسرار التي كانت وراء البقاء الطويل للحزب في السلطة، بموافقة الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل، السياسات الصحية، بالإضافة إلى سياسة أخرى وهي الإسكان؛ حيث شكلت هذه الأخيرة واحدة من أقوى قنوات الاتصال مع شرائح كبيرة من المجتمع، والتي احتلت مكانا مهما في حلم إدارة حزب العدالة والتنمية بـ "الوطن".

وبفضل المنازل التي أنجزتها إدارة تنمية الإسكان "توكي" بشكل مستمر ومتوالٍ؛ فإنها – أولا وقبل كل شيء- قدمت بديلا للأحياء الفقيرة والبنية التحتية ذات الجودة الرديئة والمساكن المشوهة والمكلفة على حد سواء. وبفضل هذا البديل؛ أصبح جزء كبير من الناس الذين لم يكن بإمكانهم امتلاك منزل في الماضي؛ مالكين، وتغيرت أنماط حياتهم مع هذه المنازل. وبطريقة ما؛ ومن خلال هذا السكن؛ تم نقل 32% من الأشخاص بسرعة إلى مستوى الطبقة المتوسطة الاقتصادي ونمط حياة هذه الطبقة، فجانب الإيجار الناتج عن المنازل التي تم الحصول عليها، تم تحويل كل هذا الإيجار إلى فئة الدخل المنخفض، حيث يتم توفير هذه المنازل بسعر رخيص. وهكذا -على الأقل في هذا المستوى- تم ضمان عدالة جادة في الدخل الاجتماعي.

في الواقع؛ لم تكن المشكلة أو الهدف الذي حاولت إدارة تنمية الإسكان "توكي" التغلب عليه في أيامها الأولى هو إنجاز مساكن مثالية تتكيف مع حضارتنا وثقافتنا، ولخطط المدينة المثالية وطويلة المدى. على العكس من ذلك؛ كان الهدف هو إنتاج مساكن للجماهير التي كانت تتوق إلى منزل معقول، وقد فعلت ذلك بشكل أكثر من كاف. لهذا السبب؛ تم انتقاده كثيرا بخطابات مثل الإنتاج السكني المتسلسل والقياسي، وكانت هذه انتقادات غير عادلة وغير مسؤولة للغاية، فقد كان الناس في حاجة ماسة إلى منزل للسكن فيه، لأنه عندما لا توجد وسيلة للحصول على سكن، فالنتيجة إما التشرد أو -في أحسن الأحوال- الحياة في الأحياء الفقيرة، بدل المنازل ذات الجودة الأفضل التي تنتظر الناس.

وبفضل إدارة تنمية الإسكان "توكي"، جعل الأشخاص ذوو الدخل المنخفض الذين يمتلكون مساكن بسهولة، هذه المنازل كنقطة انطلاق لحياة أفضل، وقد بلغ إنجاز المساكن التي تم تحقيقها بهذه الطريقة ما يقارب مليون ونصف المليون حتى الآن، وتم توفير المناظر الطبيعية والبنية التحتية الحضرية حول هذه المنازل. وبهذه الطريقة، أصبح الحصول على السكن أسهل، خاصة بالنسبة للفئات ذات الدخل المنخفض، وبلغة الأرقام، اعتبارا من عام 2014، انخفض سن الحصول على السكن من سن 45 إلى 33 عاما.

وبفضل سياسة الإسكان هذه، من ناحية أخرى، فقد بدأ قطاع البناء وجميع القطاعات الفرعية في تجربة نشاط كبير في وقت قصير، ففي حين أن معيار الإسكان الذي تم طرحه دفع الأشخاص الذين رأوا الطبقة الوسطى من قبل، إلى البحث عن مساكن ذات جودة أفضل من مساكن إدارة تنمية الإسكان "توكي"، فقد اتخذوا أيضا المعيار الذي حددته إدارة تنمية الإسكان "توكي" كمرجع. وهكذا، ساهمت إدارة تنمية الإسكان "توكي" بشكل كبير في جودة المساكن الإجمالية خلال هذه الفترة.

وفي الآونة الأخيرة؛ ربما زاد عامل العمر في حصول ذوي الدخل المنخفض على السكن مرة أخرى، وأصبحت قنوات الوصول أكثر صعوبة قليلا. وفي الواقع؛ كان هذا يعني تباعدا نسبيا عن شرائح المجتمع التي أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وأبقته فيها؛ حيث يمكن للجميع رؤية هذا، ولكن حتى لو كانت العوامل العالمية والإقليمية في الاقتصاد ذريعة، فإنها لم تكن كذلك. فما الذي كان يمكن أن يمنع كوادر الحزب، الذين كانوا قادرين على فعل الشيء الصعب للغاية من قبل، من القيام بعمل أفضل أو نفس الشيء بعد الكثير من الخبرة؟

تمت الإجابة عن هذا السؤال من خلال التعبئة السكنية الجديدة التي أعلنها الرئيس رجب طيب أردوغان؛ حيث أظهر مشروع الإسكان الجديد أن الحكومة لم تنفصل عن المجتمع بعد 20 عاما، وأن لديها الكفاءة والخبرة الفنية لإنتاج الحلول التي من شأنها أن تعطي أهم الردود.

ومع أكبر مشروع إسكان اجتماعي في تاريخ الجمهورية، تبدأ عملية بناء مئات الآلاف من المساكن الاجتماعية الجديدة والأراضي السكنية وأماكن العمل في 81 محافظة. وبالتالي؛ فإن عدد المساكن الاجتماعية التي تم تحقيقها حتى الآن قد ارتفع إلى مليونين وعدد السكان الذين يعيشون في هذه المنازل إلى 10 ملايين. ونلاحظ عن كثب، من خلال التجربة، نوع التأثير الاجتماعي لهذا المشروع، والذي يتوافق مع ما يقارب 12% من السكان.

وبصرف النظر عن الأبعاد الأخرى لهذه النتائج، يمكننا أن نتنبأ بأن بُعد العدالة الاجتماعية على الأقل سيكون قويا للغاية.

ياسين أقطاي-أكاديمي وسياسي وكاتب تركي

المصدر: الجزيرة نت

×