كيف تؤثر مكاسب الليرة على استثمارات الأجانب في تركيا؟

مشهد عام من مدينة إسطنبول-الجزيرة نت

مشهد عام من مدينة إسطنبول-الجزيرة نت

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

إسطنبول-اقتصاد تركيا

منذ إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سلسلة إجراءات اقتصادية قبل أسبوع تقريبا، حققت العملة الوطنية مكاسب هامة، واستعادت معظم الخسائر التي لحقت بها خلال الأسابيع الماضية.

وسارعت وزارة الخزانة إلى الإعلان رسميا عن سريان تلك الإجراءات التي تشمل آلية جديدة تتيح للمستثمرين تحقيق نفس مستوى الأرباح المحتملة للمدخرات بالعملات الأجنبية، عبر إبقاء الأصول بالليرة، الأمر الذي يحمي ودائع العملة المحلية من تقلبات أسعار الصرف ويضمن للمودع بالليرة الحصول على الفائدة المعلنة، إلى جانب الفرق في سعر الدولار بين وقت الإيداع والسحب.

وخلال الأسبوع الماضي، حافظت الليرة على سعر صرف معقول يتراوح بين 10 و12.5 ليرة للدولار الواحد، وهبطت أمس الخميس إلى 13.4 قبل أن تتعافى إلى 13.00 بحلول الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش، بعد مكاسب كبيرة حققتها الأسبوع الماضي، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة مصاعب في إقناع المدخرين بتجاهل تقلبات العملة والمخاوف من ارتفاع التضخم والتخفيضات غير التقليدية لأسعار الفائدة.

وبينما وزير المالية نور الدين النبطي يقول إن أرصدة المواطنين الدولارية آخذة في الانخفاض، أظهرت بيانات رسمية أن الأرصدة المحلية من العملات الصعبة ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 238.97 مليار دولار الأسبوع الماضي. في الوقت نفسه، انخفض صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي، وهو حائط الصد الفعال ضد الأزمة المالية، إلى أدنى مستوياته منذ عقدين تقريبا.

ويرى خبراء مختصون بالاقتصاد التركي أن فهم تقلبات سعر الصرف والمؤشرات الاقتصادية الكلية والجزئية يتطلب قراءة خاصة بعيدا عن أنماط التحليل الاقتصادي التقليدية، مؤكدين أن هذه القراءات تنعكس على كافة المسارات المتعلقة بالأداء الاقتصادي، وفي مقدمتها الاستثمارات الأجنبية التي تجلب العملة الصعبة للبلاد.

إذ ترمي الأداة المالية الجديدة التي لجأت لها الحكومة التركية إلى التخلص من نظام "الدولرة" الذي حفزته خلال السنوات الأربع الماضية كثير من العوامل من بينها الهشاشة المالية وعزل رأس المال والضغط الجيوسياسي وانتشار فيروس كوفيد-19، وهي عوامل جعلت من الدولار عملة التحوط الصعبة التي يلجأ لها المدخرون على حساب الليرة.

أهمية استقرار الصرف

ووفقا للخبراء فإن الأصول في الاقتصاد التركي ما زالت رخيصة جدا، لكن الاستثمارات الأجنبية بالبلاد تنطوي على بعض المخاطر المتعلقة بالتضخم ورصيد الحساب الجاري.

يؤكد تان هاسكول الخبير الاقتصادي التركي والعضو المؤسس بشركة "إنتيل كيت" أن اهتمام الأجانب بالأصول التركية مرتفع للغاية، لكنه لا يعتقد أن ذلك كافيا لجلب الاستثمارات ما لم يقترن باستقرار العملة المحلية، مشيرا إلى أن المستثمر الأجنبي لا يمول استثمارا لا يستطيع قياسه مهما كانت أسعار الأصول رخيصة، الأمر الذي يتطلب توقف التقلب في سعر الصرف لتكون الاستثمارات قابلة للقياس بالدولار.

ويعتقد أن "النظام المالي الجديد الذي يجعل الاحتفاظ بالودائع بالدولار بلا معنى سيقلل بشكل كبير من التقلبات في سعر الصرف، وسينهي التقلبات العبثية القديمة في الليرة، وبالتالي سيزيد من اهتمام المستثمرين الأجانب بالأصول الجذابة بالفعل".

ويشير هاسكول -في حديث للجزيرة نت- إلى أن أول من يتأثر باستقرار سعر صرف الدولار مقابل الليرة هو قطاع البنية الفوقية ذات مخاطر الأداء المنخفضة كالفنادق والمستشفيات والمساكن وغيرها من الاستثمارات التي طالما جذبت اهتمام المستثمرين الأجانب، مؤكدا أنه شهد شخصيا إلغاء العديد من المشاريع والاستحواذات في مرحلة العقد بسبب تقلب سعر الصرف.

كما يتوقع أن يحقق قطاعا التمويل والمصارف المتعلقين بالمشتريات والمشاريع أرباحا كبيرة بعد استقرار سعر صرف الدولار، ثم القطاعات المتعلقة بأصول البنية الفوقية، حيث سيزداد زخم عمليات الاستحواذ، موضحا أن تحقيق المكاسب بالاستثمارات الخارجية سيكون تدريجيا وإيجابيا على جميع القطاعات والاستثمارات.

ويعتقد هاسكول أن يستغرق استقرار الليرة وقتا "لن يكون طويلا جدا" كما يعتقد أنه سيترافق مع تحسن تدريجي في نظام الائتمان وتوريد الليرة بالسوق المحلية حيث يعمل هذا على تسريع النمو بالاستفادة من الأداء الاقتصادي الإيجابي الحالي، متوقعا توسعا اقتصاديا مشابها للذي شهدته تركيا خلال الفترة بين 2003-2007.

كعكة المستثمرين

ورغم الاعتقاد السائد الذي يراه البعض بـ "تنامي الصراع الجيوسياسي بين تركيا وحلفائها القدامى من الدول الغربية" فإن الغربيين ما زالوا يستأثرون بالحصة الأكبر من أسعار الأصول في تركيا، حيث تظهر الإحصاءات أن أكبر هذه الاستثمارات عام 2020 كانت تعود لهولندا بنسبة 15.9% ثم الولايات المتحدة بـ 7.8%، وتحل دول الخليج العربي مجتمعة ثالثة بنسبة 7% ثم النمسا 6.4% فألمانيا 6.2% ثم لوكسمبورغ 6% وإسبانيا 5.8% وبلجيكا 5.3% وفرنسا 4.6% وأذربيجان 4.3% فاليونان 4.1%، و19.5% موزعة على بقية الدول.

وتحتل الشركات الإيرانية والسورية والسعودية المراتب الثلاث الأولى تواليا من حيث عدد الشركات التي تأسست في تركيا خلال عام 2019، تليها شركات لمستثمرين من العراق والأردن ومصر وألمانيا والإمارات وليبيا، حيث بلغ عدد الشركات الأجنبية مجتمعة 12 ألفا و634 شركة برأس مال إجمالي بلغ 5.7 مليارات ليرة (ما يعادل نحو مليار دولار) في ذلك الحين.

ويأمل هاسكول أن يتغير واقع الاستثمارات الأجنبية في تركيا لصالح زيادة الاستثمارات العربية واستثمارات دول العالم الإسلامي والخليج العربي خاصة قطر، داعيا مستثمري هذه الدول الى الاستفادة من ميزة أسعار الأصول الرخيصة والاستفادة من مشاعر الأخوة والتعاطف التي تربط هذه البلدان بأنقرة.

حوافز استثمارية

من ناحيته، يعتقد الخبير الاستثمارات في تركيا خالد دياربكرلي أن ما تقدمه الدولة من تسهيلات للمستثمرين الأجانب وانخفاض تكلفة الإنتاج سيشجع الكثيرين منهم على ضخ أموالهم أكثر، سيما مع ترسخ قناعات الكثيرين أن قيمة استثماراتهم لن تنخفض مقارنة بالدولار، حيث كان انخفاض قيمة سعر صرف الليرة يأكل رأس مال المستثمرين الأجانب ويقلص أرباحهم.

ويقول دياربكرلي -في حديث للجزيرة نت- إن القطاعات غير الإنتاجية مثل العقار والأصول الثابتة ستكون أكثر المستفيدين من استقرار سعر صرف الليرة نظراً لقدرتها على الاحتفاظ بالأسعار التي حققتها قيمها السوقية خلال الشهور الأخيرة.

ويرى أن أهم مشاكل الاستثمار في تركيا كان يتمثل في تذبذب سعر صرف الليرة حيث كان المستثمرون يخشون تآكل رؤوس أموالهم بانخفاض هذه العملة، معربا عن قناعته بأن استقرار سعر الصرف سيمنحهم الدافع لرفع استثماراتهم.

لكن الخبير التركي يشير إلى أن تحسن سعر صرف الليرة بشكل كبير لن يكون مفيدا للسوق التركي، حيث سيُفقد البضائع المحلية ميزتها التنافسية التي تجلب العملة الصعبة من الأسواق الخارجية.

المصدر: الجزيرة نت

×