"تمنوا الموت" في غابات بيلاروسيا.. شهادات صادمة للاجئين سوريين

الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا بالقرب من غرودنو-أرشيفية

الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا بالقرب من غرودنو-أرشيفية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

وارسو-اقتصاد تركيا

"تمنيت الموت بدلا من العطش والنوم في العراء"، بهذه العبارة تصف كارول رحلة ذهابها إلى ألمانيا، عبر الحدود البيلاروسية - البولندية، بعدما أمضت ٧ ليالي في غابات تصفها بـ "الموحشة والمجمدة".

كارول  (٣٧ عاما)، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها الكاملة، لاجئة سورية قررت التوجه إلى أوروبا، بحثا عن مستقبل أفضل لعائلتها، المكونة من شاب (١٢ عاما) وشابة (٩ أعوام)، وذلك بسبب ضيق الأوضاع الاقتصادية في مدينة حماه (وسط البلاد) وأملا بمستقبل أفضل، بحسب ما قالته لموقع "الحرة".

وتعاني سوريا واحدة من أضخم أزماتها الاقتصادية، بعدما فقدت الليرة المحلية الكثير من قيمتها (٣٥٣٠ مقابل الدولار الواحد)، وهناك شح كبير في المازوت والمواد الغذائية، فضلا عن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

وتفرض واشنطن عقوبات على الحكومة السورية عبر قانون قيصر بعد أن كشفت آلاف صور المعتقلين الذين لقوا حتفهم في معتقلات النظام وأخرجها سرا من البلاد المصور "قيصر" للعالم العام 2014.

وقالت كارول: "لم أكن أفكر بالهجرة نهائيا، ولكن وصلت الأمور في سوريا إلى طريق مسدود، لم يعد بإمكاني الاستمرار في الفقر والذل"، لافتة إلى أن أحد أصدقائها أعلمها بوجود شخص يمتهن عملية "ترتيبات السفر" للسوريين إلى أوروبا.

ووصل آلاف المهاجرين من العراق وسوريا ودول أخرى تمزقها الصراعات إلى بيلاروسيا في الشهور الأخيرة على أمل العبور إلى بولندا. ومن هناك، يسعى كثيرون للجوء في دول أخرى بالاتحاد الأوروبي، كألمانيا، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".

وعن إجراءات السفر إلى بيلاروسيا، تقول كارول، التي تقيم مؤقتا داخل مخيم للاجئين في ألمانيا حاليا، إن "مرحلة التحضير بغاية السهولة، كل ما في الأمر هو الاجتماع بالسفير البيلاروسي في دمشق لطلب التأشيرة"، مشيرة إلى أنها حصلت عليها بعد أيام قليلة.

وأوضحت أن "أحد الأشخاص في حماه، رافقني إلى السفارة، وجاء لي بتذكرة السفر من مطار دمشق إلى بيلاروسيا، سبتمبر الماضي".

وبشأن ما حصل معها من لحظة وصولها إلى مينسك، تتذكر كارول "كل ثانية ودقيقة في رحلتها"، على حد تعبيرها، حيث "كانت أيام أشبه  بالجحيم، رغم أن حرارة الطقس كانت تقارب الصفر وما دون".

فمنذ وصولها إلى الفندق، طلب منها المهرب، وهو يتكلم العربية جيدا، سداد كافة "الأتعاب"، وتبلغ قيمتها الإجمالية ١٢ ألف دولار أميركي، وذلك سلفا وقبل بدء الرحلة.

وخلال إحدى الليالي، وجدت كارول نفسها ومجموعة من ١٠ أشخاص غالبيتهم من سوريا وشمالي العراق (إقليم كردستان)، داخل غابة كبيرة، قال لهم فيها المهرب: "إذهبوا مع الطريق ستوصلكم إلى الحدود".

أجساد منهكة

وهنا تتوقف كارول لتشير إلى أن "حرارة الطقس والمستنقعات لا يمكن وصفها، أنهكت جسدنا وأجساد أناس آخرين التقينا بهم في الغابة، قد يكون بعضهم توفوا الآن".

وأوضحت أنها "استطاعت الدخول إلى بولندا قبل أن تعزز إجراءتها العسكرية"، ولدى سؤالها عن مصدر معلوماتها الميدانية، قالت إن "هناك مجموعة عبر تطبيق واتساب أدخلني بها المهرب، نتداول فيها تفاصيل الهروب والأوضاع على الحدود".

وأشارت إلى أن "جيش بيلاروسيا كان يريد التخلص منها وكذلك البولندي، لا أحد يرحمنا، ولا حتى منظمات دولية أو عمال الإغاثة"، على حد تعبيرها.

وحصلت الحكومة اليمينية في بولندا على موافقة برلمانية لبناء جدار على على طول حدودها مع بيلاروسيا، وفي الوقت نفسه تأمر بدوريات في المنطقة بقوة قوامها حوالى 17000 من شرطة الحدود.

ويشتبه الاتحاد الأوروبي في أن يكون الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، تسبب عمدا بحركة الهجرة هذه ردا على العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليه بسبب القمع الذي تتعرض له المعارضة في بلاده، وهو ما ينفيه الأخير.

كما أنشأت الحكومة البولندية منطقة عسكرية بطول ميلين متاخمة للحدود، من خلالها تتطوع الخدمات الطبية وعمال الإغاثة.

وتطالب المنظمات الحقوقية بالسماح لها بالدخول لمساعدة المهاجرين العالقين، حيث قالت كريستال فان ليوين، مديرة الطوارئ الطبية في منظمة أطباء بلا حدود، لصحيفة الغارديان الأسبوع الماضي، إنه يجب على المنظمات غير الحكومية الوصول بشكل عاجل إلى المنطقة الآمنة، من أجل احترام مطالبات المهاجرين والحماية الدولية.

الطائرة  أفضل من "قوارب الموت"

وفي مدينة حمص (وسط سوريا)، يعتزم رامي (٢٣ عاما) السفر إلى بيلاروسيا من أجل الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي، وتحديدا ألمانيا.

ويقول رامي، في حديث لموقع "الحرة"، إنه أنهى 3 سنوات من دراسته الجامعية، ولم يعد بإمكانه التأجيل لعدم الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية.

ونص الدستوران السوريان (دستور 1973 ودستور 2012) على أن الخدمة العسكرية إلزامية للذكور البالغين، وقد سعى ذلك النظام إلى عسكرة المجتمع من مرحلة الطفولة مع منظمة طلائع البعث، ثم منظمة شباب الثورة (الشبيبة) في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وبعدها معسكرات التدريب الجامعي بإشراف ضباط من الجيش.

ولفت رامي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة، إلى أنه لم يباشر بعد بإجراءات السفر، إذ طُلب منه مبلغ ٧ آلاف دولار أميركي، يدفع نصفها في سوريا، والباقي عندما يصل، مبينا أن أهله بصدد بيع قطعة أرض ورثوها عن ذويهم لتوفير هذا المبلغ.

وأكد أنه يعلم بمخاطر الرحلة، قائلا: "على الأقل لن أموت غرقا"، في إشارة إلى رحلات الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط من خلال الزوارق المطاطية التي عرفت إعلاميا بـ"قوارب الموت".

وشهدت ألمانيا زيادة حادة في أعداد المهاجرين القادمين من بيلاروسيا عبر جارتها بولندا. وفي أكتوبر، بلغ عدد هؤلاء المهاجرين حوالي 5000 شخص، وفقاً للسلطات الألمانية.

وردت برلين على هذه الموجة من الهجرة بتشديد الرقابة على الحدود ونشر المزيد من عناصر الشرطة.

والثلاثاء، طالبت ألمانيا المفوضية الأوروبية بـ"أخذ إجراءات" للحد من تدفق المهاجرين من بيلاروسيا إلى جارتها بولندا، العضو في الاتحاد الأوروبي.

وقال وزير الداخلية الألماني، هورست سيهوفر، لصحيفة "بيلد" إن تدفق المهاجرين مشكلة "لا تستطيع بولندا أو ألمانيا التعامل معها بمفردهما".

وأضاف "يجب أن نساعد الحكومة البولندية على تأمين حدودها الخارجية. في الواقع هذا الأمر ينبغي أن يكون من مهام المفوضية الأوروبية، وأنا أطالبها الآن بأخذ إجراءات".

ووجه الوزير الألماني نداءه هذا، بعدما أعلنت بولندا صد محاولة قام بها مئات المهاجرين لعبور حدودها بشكل غير قانوني من بيلاروسيا، محذرة في الوقت ذاته من أن آلافاً غيرهم يحتشدون بالقرب من هذه الحدود التي تُعتبر جزءاً من الحدود الخارجية للاتّحاد الأوروبي.

وكان المتحدث باسم الحكومة البولندية، بيوتر مولر، وجه تحذيرا شديد اللهجة، الاثنين، وقال: "نخشى حصول تصعيد لهذا النوع من الأعمال على الحدود البولندية في المستقبل القريب وأن يكون ذا طبيعة مسلّحة".

المصدر: الحرة

×