عاصفة ما بعد الجائحة.. تركيا ستذهل العالم أكثر في 2021

ظهرت تركيا على الساحة الدولية بصفتها أنشط قوة في مساحة واسعة من العالم

ظهرت تركيا على الساحة الدولية بصفتها أنشط قوة في مساحة واسعة من العالم

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

إبراهيم قراغول

ستواصل تركيا صعودها بوتيرة أسرع خلال عام 2021 مهما قال القائلون وبغض النظر عما يحيكونه في الداخل من شرور وأكاذيب. لن تستطيعوا أن تلاحظوا هذا الأمر إذا ما نظرتم في أعين من بالداخل، بل يمكنكم إدراكه بالنظر إلى العالم ومتابعة ما يشهده من نقاشات حول تركيا. فهذا ما سيدركه كل من حافظ على نفسه ولو قليلا من عواصف السوء التي تبث السموم في أذهان من بالداخل.

لم يتوقعوا أن تذهل تركيا العالم لهذه الدرجة!

لقد ظهرت تركيا على الساحة الدولية بصفتها أنشط قوة في مساحة واسعة من العالم تمتد من القوقاز إلى شمال أفريقيا ومن أواسط أفريقيا إلى الخليج العربي ومن آسيا الوسطى إلى البلقان ومن سواحل المحيط الهندي إلى البحر الأحمر.

لقد كشفت عن نفسها بوصفها قوة تستطيع إضعاف وجود من حكموا هذه المناطق لمئات السنين، لتدخل في تصفية حسابات مع أعظم القوى العالمية في المحور الأساسي للعالم.

وبطبيعة الحال لم يتوقع أحد أن يحدث أمر كهذا في النظام الدولي وحساباتهم المتعلقة بالسلطة في القرن الحادي والعشرين. لا شك أن تركيا ستواصل السير في طريقها مع الغرب، لكنها ستنتهج كذلك سياسة اقتصادية وسياسية متوازنة مع الشرق. كما أنها ستكون دولة تمثل عنصر قوية جانبية يدعم التحالف الغربي ويحجز لنفسه مكانا في خضم الحسابات بين القوى الكبرى.

لماذا فزع الغرب لهذه الدرجة؟

لقد كان العالم سينقسم بين محورين متضادين شرقي وغربي لتبدأ صراعات شرسة بين قوى هذين المحورين اعتبارا من الربع الثالث من القرن العشرين لترسم هذه الصراعات ملامح مستقبل العالم.

لقد كانت تركيا هي أكبر مفاجآت هذه التوقعات، فأقدمت على إحداث طفرات حكيمة، كما قدمت خطابا سياسيا قادرا على إحداث تأثيرات قوية في النظام الدولي الجديد وتحولا ممنهجا في الداخل وقوة مؤثرة للغاية في منطقتها. وهذا هو سبب حالة الهلع السائدة في العواصم الغربية كما رأينا في نماذج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا على وجه الخصوص.

إن تركيا تحاول أن تسرد شيئا على الدول والشعوب التي حكم عليها بالاختيار بين خيارين إما الشرق أو الغرب. تقول إنها قادرة على بناء قوتها الخاصة وإنه يجب ألا تكون المنطقة الجغرافية الممتدة من الأطلسي إلى الهادئ أن تكون ساحة للصراع وتقاسم الغنائم بين هاتين الجبهتين، بل إنها تبرهن للجميع على أن هذا الأمر ممكن.

مواجهة أعظم قوى العالم إما على طاولة الحوار أو على الجبهة

المفاجأة الحقيقية ستبدأ في 2021

إن تركيا لا تبالي بالتهديدات التي تتعرض لها في هذا الطريق وتسعى لمجابهتها بكل ما أوتيت من قوة في كفاح استثنائي. إنها إما تجلس مع كبار العالم على طاولة الحوار أو تواجههم على جبهات القتال. وبينما تفعل ذلك فإنها تفتح أمام دول المنطقة وكذلك اللاعبين الدوليين مساحات مشتركة وتقدم عروضا قوية من أجل تأسيس عالم عادل. لقد نجحت تركيا في هذا بنهاية عام 2020 وأجبرت الجميع حول العالم على أن يعترفوا بأنها دولة صاعدة سطع نجمها على الساحة الدولية.

إلا أننا سنشهد التطورات المثيرة الحقة في المرحلة المقبلة، لنرى تحول هذه القوة العظمى إلى قوة تاريخية حاضرة ونرى دورها الحيوي وجيناتها التي ترسم ملامح الجغرافيا. وسيشهد العالم حالة جديدة لتركيا أعظم وأم من تلك التي رآها حتى عام 2020.

ليس رد فعل بل مخطط محسوب بدقة

ذلك أن كل حركة ومبادرة وموقف تتخذه تركيا لا يعبر عن رد فعل لحظي ولا يرمي للرد، بل إنه مخطط محسوب بدقة على مدى طويل بعد قراءة الميول الإقليمية والدولية جيدا.

وعندما ننظر للأمر من هذه الزاوية يمكن أن نرى أن ما فعلته تركيا لليوم ونجحت به لا يمثل سوى البداية والاستعدادات النهائية. فكل العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول المركزية المؤسِسة كروسيا والصين ستدار من الآن فصاعدا من خلال المشاركات العقلانية والمفاوضات أو تصفية الحسابات المستندة للقوة.

نقل الإمبراطورية إلى الحاضر من خلال الحسابات الجيوسياسية الحكيمة

يجب أن يستقل أحد بحسابات تركيا الجيوسياسية الحكيمة؛ إذ إننا نعلم جيدا أن مصدر هذه الحسابات نابع من تاريخ الدولة السلجوقية والإمبراطورية العثمانية وماضي علاقاتها مع الغرب التي ترجع لمئات السنين والأزمات الإقليمية التي عاشتها مع إمبراطوريات روسيا على مدار قرون وخبرتها الإقليمية التي اكتسبتها منذ أيام الحملات الصليبية والدولة العباسية.

إننا سنبدأ في عام 2021 بأن نرى شكلا أكثر اتساعا وعمقا وحقيقية لهذه المبادرات الجيوسياسية عندما يتفوق "عقل تركيا" بوصفه عقلا إمبراطوريا في مواجهة تراجع الغرب وصعود الشرق.

إن هذا هو ما نطلق عليه "محور تركيا" الذي يعتبر حقيقة ستعلن عن نفسها في الداخل والخارج وتتفوق على كل الأحزاب والهويات والمواقف السياسية.

عاصفة ما بعد الجائحة

من سيكون جاهزا ومن سيصمت؟

ستبدأ بعد جائحة كورونا عاصفة قوية سنرى خلالها أن تركيا مستعدة لاستقبالها أكثر دول أخرى بفضل نشاطها واستعداداتها القوية. ستصمت دول أوروبا وسينتهي التاريخ الاستعماري للعديد من الدول وستظهر تركيا أكثر على الساحة بصفتها دولة أسست نفسها باستعدادها لمواجهة التحول التاريخي الذي يمتد لخمسمائة عام.

أي إدراك يتحدث به أردوغان؟

البحر المتوسط والبحر أسود وبحر الخزر

الدولة السلجوقية والعثمانية وتركيا

الخلافة وروما وأوروبا

أتابع تصريحات الرئيس أردوغان وخطاباته خلال السنوات الأربع الماضية على وجه الخصوص في هذا الإطار؛ إذ إنه يستخدم عبارات قوية تحيي العقلية السياسية العميقة لتنقلها من الماضي إلى الحاضر، لكن للأسف فإننا داخل تركيا نعجز عن تقديم الدعم اللازم لهذه الدعوة.

إن هذه العبارات ليست من قبيل مسائل السياسية الداخلية وليست لغة قاصرة على التنافس بين الأحزاب. بل إن أردوغان يستخدم لغة القوى العظمى، يستخدم لغة سياسية تضم كل الخبرات التي حصلها الأتراك منذ دخولهم الإسلام وانتقالهم إلى هذه البقعة من العالم.

إنها تتحدث بإدراك إقليمي واسع يمتد مداه من سور الصين العظيم إلى أواسط أوروبا ومن جنوب آسيا إلى أواسط أفريقيا، تتحدث بصفتها الدولة السلجوقية والإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية، تتحدث بصفتها البحر المتوسط والبحر أسود والبحر الأحمر وبحر الخزر، تتحدث بصفتها الخلافة وروما وأوروبا وآسيا.

علينا دعم هذه العبارات وإفراز حركات فكرية

لقد كنا في السابق نتابع النقاشات الدائرة في أمريكا وأوروبا ونعكسها على تركيا ونحاول أن نرى ماذا يحدث في العالم. لكن اليوم الأمر اختلف تماما، فالعالم يتحدث عن تركيا التي أصبح الإعلام الغربي ودوائر الفكر حول العالم تتحدث وتناقش واحدة من أبرز نقاشاتها التي تطرح تساؤلات "بم يفكر أردوغان؟" و"ماذا ستفعل تركيا بعد ذلك؟"

ألا ينبغي لنا إثراء هذه النقاشات؟ ألا يجدر بنا ألا ننظر إلى هذه الأمور لنصيغ عباراتنا وطموحاتنا وننقلها إلى العالم؟ ألا يجب علينا دعم ما يقوله أردوغان؟ ألا ينبغي لنا إضفاء معان قيمة على طموحات تركيا وتحويلها إلى حركات فكرية مثمرة؟ ألا يجب علينا إثراء النقاشات الدائرة حول تركيا التي تركز تحركاتها في المجالات السياسية والعسكرية والسياسة الخارجية كذلك في المجالات الفكرية والثقافية والجغرافية والجيوسياسية؟

علينا العودة إلى الطموحات والعبارات والمثل الكبرى

لو تابع كتابنا ومفكرونا تركيا فقط وأثروا ما نريد فعله وحولوه إلى خطابات ونقاشات وتيارات قوية على المستويين الإقليمي والدولي فإننا سنشهد عاصفة فكرية استثنائية.

علينا فعل ذلك، فنحن مضطرون لذلك؛ إذ علينا العودة إلى طموحاتنا وعباراتنا ومثلنا الكبرى دون الاهتمام بمحاولات تضليل الجبهة الداخلية وما تفعله.

وإياكم أن تنسوا أنه لم يعد هناك شيء اسمه معارضة داخلية، بل إنهم أقاموا جبهة خارجية في الداخل. لذا علينا ألا نسمح لهم بمراوغتنا وإلهائنا وإيقاف تقدمنا.

حتى لو تعطل بنا المسير فستدهش تركيا العالم أكثر في 2021

سنشهد تحقيق طموحات تركيا وصعودها العظيم في 2021 حتى وإن تعطل بنا المسير. وبغض النظر عمن يخطط من أجل "إيقاف تركيا" فإن من يؤمن بهذا الأمر سيبقى خارج التاريخ، ذلك أن تركيا تخطت هذه المرحلة.

ستذهل تركيا العالم أكثر. لكن علينا ألا نستقبل كل حدث باندهاش، فحينها سنكون قد جنينا على أنفسنا. إنني أحاول أن أذكر كل مؤسسات بلدنا ووسائل إعلامنا والعاملين بها وجامعاتنا ومفكرينا بمسؤوليتنا من أجل حشد جهودنا لتحقيق طموحاتنا العظيمة.

عليكم الثقة بتركيا والإيمان بقدراتها.

المصدر: يني شفق

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )

أخبار متعلقة

×